مصر… حين يكون التنوّع مصدر العظمة
مصر… حين يكون التنوّع مصدر العظمة
يعلم القاصي والداني ان مصر ليست وطنًا صاغته الجغرافيا وحدها، بل حكاية إنسانية كبرى كتبتها قرون من التنوّع والتفرد، وتعايشت فيها الهويات لا بوصفها تناقضًا، بل بوصفها ثراءً. فمصر، منذ فجر التاريخ، لم تكن يومًا صوتًا واحدًا، بل كانت دائمًا كورالًا إنسانيًا واسع الطبقات متعدد الالحان، تتداخل فيه اللهجات، والعادات، والألوان، والأديان، لتصنع شخصية فريدة لا تشبه إلا نفسها.
في سيناء، وإقليم القناة يقف أهلها كجسر حيّ بين مصر ومحيطها العربي والآسيوي، يحملون في ملامحهم صلابة الصحراء وكرامة الحدود. أبناء سيناء ليسوا فقط حراس الجغرافيا، بل حراس الهوية أيضًا؛ يعرفون معنى الأرض، ويقدّسون الضيافة، ويجسّدون الانتماء في أصدق صوره، حيث يصبح الوطن عهدًا لا يُنكث.
وفي دلتا النيل، يعيش الفلاح المصري، صانع الحضارة الأولى، وراعي الاستمرارية. الفلاح ليس مجرد مهنة، بل فلسفة حياة؛ صبرٌ يشبه انتظار الفيضان، وحكمةٌ تعرف أن الخير يولد من الأرض كما يولد الأمل من التعب. في يديه تشكّلت علاقة المصري بالتراب، علاقة عشق قديم لم تنقطع رغم تغيّر الأزمنة.
أما النوبة، فهي قصيدة مصرية مكتوبة بالماء والحجر. النوبيون حَمَلة ذاكرة حضارية عميقة، يملكون ثقافة غنية بالإيقاع واللون واللغة، ويجسّدون قدرة الإنسان على الحفاظ على هويته رغم التحديات. النوبة ليست هامشًا في الجغرافيا المصرية، بل قلبًا نابضًا بالاصالة والتسامح والجمال والإنسانية.
وفي واحة سيوة، تتجلّى مصر ، هادئة وعميقة، لها إيقاعها الخاص. أهل سيوة بثقافتهم الأمازيغية، ولغتهم، وعاداتهم، يضيفون بعدًا حضاريًا نادرًا للهوية المصرية. هناك، تتصالح الطبيعة مع الإنسان، وتعيش الحكمة القديمة جنبًا إلى جنب مع روح العصر، دون صخب أو ادّعاء.
أما الصعيد، فهو العمود الفقري لمصر، خزان القيم الأصيلة: الشهامة، والكرامة، والنخوة، والوفاء. أبناء الصعيد حملوا مصر على أكتافهم في لحظات الشدة، ورفدوها بالعقول والسواعد والضمير. قد يختلف إيقاع الحياة في الصعيد، لكنه يظل أكثر صدقًا، وأكثر التصاقًا بالجذور.
ويأتي التنوع الديني ليؤكد أن مصر وطن يتّسع للجميع.ولا أحد ينسي مقولة البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية الراحل رحمه الله ( إن مصر وطن تعيش فينا )
المسلمون والمسيحيون عاشوا قرونًا من الشراكة الإنسانية قبل أن تكون سياسية، تقاسموا الخبز والحزن والفرح، وبنوا معًا تاريخًا من العيش المشترك قلّ نظيره. الكنيسة بجوار المسجد ليست مجرد مشهد عمراني، بل تعبير عميق عن فلسفة وطنية ترى في الاختلاف نعمة يفهمها المصريون جميعا
وحتى اليهود المصريون، رغم قلتهم اليوم، فهم جزء أصيل من النسيج التاريخي لمصر. شاركوا في اقتصادها وثقافتها وفنونها، وتركوا بصمات واضحة في الموسيقى والسينما والتجارة. وجودهم، تاريخيًا، شاهد على أن مصر كانت ولا تزال ملاذًا للتنوّع، وحاضنة للاختلاف.
ولا يتوقف المشهد عند هذه المكوّنات وحدها؛ فمصر تضم تنوّعات لغوية وثقافية واجتماعية ومناطقية لا تُحصى، من بدو الصحراء الغربية إلى أبناء المدن الساحلية، ومن الحضر إلى الريف، ومن القديم المتجذّر إلى الحديث المتجدّد. كل اختلاف يضيف طبقة جديدة إلى الشخصية المصرية، ويمنحها قدرة نادرة على التكيّف والبقاء.
إن عظمة مصر الحقيقية لا تكمن في محو الفروق، بل في احتضانها، ولا في فرض قالب واحد، بل في السماح لكل مكوّن أن يكون نفسه داخل الإطار الوطني الجامع. فالتنوّع في مصر ليس شعارًا، بل تجربة تاريخية حيّة، أثبتت أن القوة تولد من التعدد، وأن الجمال الحقيقي هو ذاك الذي يجمع الألوان كلها دون أن يفقد توازنه
سطر مهم
هكذا كانت مصر… وهكذا ستظل: وطنًا كلما تعدّدت وجوهه، ازداد بهاءً، وكلما تنوّعت روافده، ازداد عمقًا، وكلما احتضن أبناءه على اختلافهم، ازداد عظمةً وجمالًا فالحمد لله علي نعمة مصر