كيف نجعل أفريقيا “علامة مسجّلة” في الاستشفاء البيئي؟
بقلم: د. عبدالعاطي المناعي
أفريقيا ليست مجرد قارة مترامية الأطراف، بل هي مخزن إنساني وطبيعي فريد لم تُكتشف قيمته العلاجية الحقيقية بعد. فعلى هذه الأرض اجتمعت عناصر الاستشفاء البيئي في صورتها الخام: الرمال المعدنية، والمياه الحارة والكبريتية، والمناخ المتوازن، والتنوع البيولوجي، والهدوء الروحي الذي لا توفره المدن الصاخبة. غير أن امتلاك الموارد وحده لا يصنع “علامة مسجّلة”، بل يحتاج إلى رؤية، وإدارة، وتسويق علمي يحول هذه الكنوز إلى قيمة عالمية معترف بها.
إن تحويل أفريقيا إلى علامة مسجّلة في الاستشفاء البيئي يبدأ من إعادة تعريف المفهوم نفسه. فالاستشفاء البيئي ليس ترفًا سياحيًا، ولا ممارسة شعبية معزولة، بل هو مسار علاجي وقائي متكامل، يعتمد على الطبيعة كعنصر أساسي داعم للصحة الجسدية والنفسية، ويستند إلى العلم والبحث الطبي الحديث. وهنا يجب أن تمتلك أفريقيا خطابها العلمي الخاص، لا أن تستورد نماذج جاهزة من تجارب آسيوية أو أوروبية تختلف في المناخ والثقافة والبيئة.
الخطوة الثانية تكمن في توثيق الموارد الإفريقية علميًا. لا يكفي أن نقول إن لدينا رمالًا سوداء أو عيونًا كبريتية، بل يجب تحليل مكوناتها، ودراسة تأثيرها، ونشر أبحاث محكّمة باسم أفريقيا. البحث العلمي هو شهادة التسجيل الأولى لأي علامة عالمية، وبدونه ستظل الموارد مجرد حكايات محلية لا يثق بها العالم.
ثم يأتي بناء نموذج إفريقي أصيل للاستشفاء البيئي، نموذج لا ينسخ تجارب الآخرين، بل ينطلق من خصوصية المكان والإنسان الإفريقي. نموذج يحترم البيئة ولا يستنزفها، ويشرك المجتمعات المحلية بدل إقصائها، ويوازن بين العلاج والسياحة والتنمية المستدامة. فالعالم اليوم لا يبحث فقط عن الشفاء، بل عن التجربة الإنسانية المتكاملة.
أما الإطار التشريعي والمؤسسي فهو حجر الأساس لأي علامة مسجّلة. أفريقيا تحتاج إلى معايير واضحة، وهيئات اعتماد، وبروتوكولات علاجية معترف بها، حتى لا تتحول بعض الممارسات العشوائية إلى صورة سلبية تسيء للقارة كلها. التنظيم لا يقتل الأصالة، بل يحميها ويمنحها المصداقية.
ولا يمكن إغفال قوة السرد الإعلامي. فالعالم لا يكتشف الكنوز بنفسه، بل يصدق القصص التي تُروى له باحتراف. تحتاج أفريقيا إلى خطاب إعلامي موحد يقدّم الاستشفاء البيئي كجزء من هويتها الصحية والحضارية، خطاب يربط بين التاريخ والطبيعة والطب الحديث، ويخاطب الإنسان الباحث عن الشفاء لا السائح العابر.
وأخيرًا، فإن جعل أفريقيا “علامة مسجّلة” في الاستشفاء البيئي يتطلب إيمانًا إفريقيًا قبل أن يكون اعترافًا عالميًا. حين تؤمن القارة بقيمتها، وتستثمر في علمها، وتحمي بيئتها، وتقدّم نفسها بثقة، سيأتي العالم إليها لا بوصفها بديلًا رخيصًا، بل كوجهة أصلية للشفاء.
إن أفريقيا لا تحتاج إلى اختراع جديد، بل إلى أن تعي ما تملك، وأن تحسن تقديمه. وعندها فقط، لن يكون الاستشفاء البيئي مجرد نشاط، بل توقيعًا إفريقيًا مسجّلًا على خريطة الصحة العالمية.