من اين نستقي المعرفة و الوعي ؟
من أين نستقي المعرفةو الوعي؟
في الماضي، كان طريق المعرفة واضح المعالم. ننهل من كتب المدارس والجامعات، ومن الصحف والمجلات، ومن البرامج الاذاعية والتلفزيونية التي كانت تسعى — بدرجات متفاوتة — الى تثقيف الانسان وتنوير عقله. كانت منابع الوعي محدودة لكنها نقية نسبيا، تقوم على اسس من العلم المتفق عليه، والاختلاف فيها لا يتجاوز الاجتهاد او زاوية النظر.اما اليوم، فالمشهد مختلف تماما. اصبح العقل البشري محاطا بسيول من المعلومات تتدفق من القنوات الفضائية التي لا تنام، ومن فضاء الانترنت المفتوح الذي يقدم كل شيء في آن واحد: الحقيقة والزيف، العلم والخرافة، القيم والانحطاط. لم تعد المسألة في كم ما نعرف، بل في من أين نعرف، ومن يوجه ما نعتقد أنه معرفة.ان تسعين في المئة من هذه المنصات الاعلامية والرقمية تدار بأيدي قوى كبرى تحرك الحروب، وتخضع الوعي الجماعي لمصالحها التجارية والسياسية. تصنع الاکاذيب كما تصنع الاخبار، وتغلف السم بالعسل، حتى غدا التمييز بين الحقيقة والوهم مهارة لا يتقنها إلا القلة ممن احتفظوا بعقولهم يقظة وضمائرهم حية.لقد اصبح الوعي اليوم مسؤولية شخصية. لم يعد ما يعرض أمامنا بالضرورة مرجعا يمكن تصديقه او الركون إليه. فالانسان المعاصر مطالب بأن يعيد بناء أدوات تمييزه — بالتحليل، والمقارنة، وإعمال العقل، لا بالاستهلاك الأعمى لما يقدم له من محتوى جاهز.ان المعرفة في زمن الفوضى الاعلامية تحتاج الى بوصلة واعية، ترشد عقولنا نحو الحقيقة لا نحو ما يراد لنا أن نؤمن به. فكما أن البحار لا ينجو من العاصفة بلا نجمة يهتدي بها، كذلك الانسان لا ينجو من طوفان الاکاذيب بلا ضوء الوعي الراسخ والفكر الواعي.في الختام، ان السؤال الأزلي «من أين نستقي الوعي؟» يظل معلقا في سماء زمننا كنجم وحيد يضيء لمن يرفع بصره نحوه. لم يعد الوعي مجرّد تراث يورث او معرفة تحفظ، بل هو نار يوقدها الفرد في صدره بشعلة الشك المنظّم وصبر البحث المتمرّن. ان العالم اليوم ليس مسرحا للحقيقة وحدها، بل حقل من أوهام وحقول تصنعها أيدي القوى الخفية، لكن الإنسان الذي يملك بوصلة الوعي الراسخ يمشي فيه آمنا، يميّز بين السم المغلّف والعسل الحقيقي. فدعنا نجعل من عقولنا الملجأ الأخير للحقّ، ومن قلوبنا الحارس الوفيّ للفكر الحرّ، حتى نتجاوز طوفان الفوضى الى شاطئ اليقين العقليّ، ونأتي الأجيال بإرث لا يضيع: عقل يفكر، وروح تميّز، ووعي يدوم