بيع الوهم للبسطاء
ليس أقسى على الإنسان من أن يمد يده إلى الأمل فيجد في المقابل من يبيع له السراب فالمريض، حين يرهقه الألم، لا يبحث عن معجزة بقدر ما يبحث عن نافذة نجاة أو عن يد صادقة تمتد إليه لا لتستنزف ضعفه، بل لتساند حقه في الحياة
ومن هنا تبدأ الكارثة:
حين يتحول الألم إلى سوق والرجاء إلى سلعة والجهل إلى باب مفتوح أمام نصابين يتقنون تزيين الكذب بعبارات براقة ومصطلحات خادعة
كم من مريض وُعد بأن عشبة ما تشفي من السرطان، وكم من أُقنع بأن خلطة من حبة البركة والثوم ستصنع المستحيل وتعيد له حيويته المفقودة، وكم من شخص أُغري بوصفات تُقال عنها إنها تفتت الحصى، وتعالج السكر، والضغط نهائيا
وتعالج كل شيء في آن واحد هكذا يُقدَّم الوهم في ثوب الحكمة، ويُسوَّق الباطل على أنه خلاص نهائي
الأسوأ أن هذا النمط لا يسرق المال فقط، بل يسرق الوقت، والفرصة، وربما الحياة نفسها
أنا لا أهاجم الطب التكميلي، بل أقدره وأحترمه جدا حين يكون في مكانه الصحيح، وتحت إشراف علمي، وبعيدًا عن الادعاء فالطب التكميلي يمكن أن يكون داعمًا، مهدئًا، مساعدًا، لكنه ليس بديلًا عن الطب القائم على الدليل والبحث العلمي والمتفق عليه
أما مصطلح "الطب البديل" فهو مصطلح خاطئ 100% فغالبًا ما يُستخدم بطريقة مضللة، بان يوحي بأن هناك طريقًا آخر يغني عن العلاج الحقيقي طالبين من المرضي التوقف عن العلاج أو عدم إجراء الجراحة
وهذا خطأ كبير، بل خطأ يساوي في بعض الأحيان حكمًا على المريض بالضياع
إن أخطر ما في بيع الوهم أنه يخاطب حاجة الإنسان لا عقله، ويستثمر خوفه لا وعيه. لذلك فإن مسؤولية الأطباء والمثقفين والإعلاميين كبيرة في كشف هذا الزيف، وتذكير الناس بأن الشفاء لا يبنى على الشعوذة، بل على العلم، والصدق، والمتابعة والرحمة
فليس من الشجاعة أن نُوهم المريض، بل من الشجاعة أن نقول له الحقيقة بصراحة، وأن نفتح أمامه باب الأمل الصادق، لا بالخداع والتدليس