البهنسا "بقيع مصر" وأرض الشهداء أسرار المدينة التي لا تنام

البهنسا "بقيع مصر" وأرض الشهداء  أسرار المدينة التي لا تنام


ليست "البهنسا" مجرد نقطة على خريطة صعيد مصر في محافظة المنيا، بل هي سفر تاريخي مفتوح يضم بين طياته رفات الصحابة، وخطوات الأنبياء، وكنوز الفراعنة. يُطلق عليها العلماء والمؤرخون "البقيع الثاني"؛ لأنها الأرض التي ارتوت بدماء الآلاف من صحابة رسول الله ﷺ والتابعين، لتصبح واحدة من أقدس البقاع على أرض الكنانة.
 المحور الأول: البعد الروحاني (البقيع الثاني)
تنفرد البهنسا بقدسية خاصة في الوجدان الإسلامي؛ حيث تحتضن في ثراها أكثر من 5000 من صحابة رسول الله ﷺ والتابعين الذين استشهدوا في حروب الفتح.

* شهداء بدر: تضم المدينة أضرحة لـ 70 صحابياً ممن نالوا شرف المشاركة في "غزوة بدر" مع النبي ﷺ.
* أشهر الأضرحة: قبة "زياد بن أبي سفيان بن الحارث" (ابن عم النبي ﷺ)، وضريح "سليمان بن خالد بن الوليد"، وقبة "أبو سمرة" حفيد الإمام الحسين، مما يجعلها قبلة للزائرين من شتى بقاع العالم الإسلامي طلباً للسكينة والبركة.

 المحور الثاني: محطة العائلة المقدسة (قدسية ممتدة)
لم تقتصر بركة المكان على العصر الإسلامي، بل كانت البهنسا ملاذاً آمناً للسيدة مريم العذراء والسيد المسيح خلال رحلة العائلة المقدسة في مصر. وتظل "شجرة مريم" وبئرها حتى يومنا هذا شاهداً حياً على تلك الرحلة، حيث استظلت العائلة تحت أغصانها، لتصبح المدينة نموذجاً فريداً لتلاقي الأديان والوحدة الوطنية في أبهى صورها.
 المحور الثالث: أسطورة "السبع بنات" والتضحية المنسية
من أكثر معالم البهنسا غموضاً وتأثيراً هو مزار "السبع بنات". تروي الذاكرة الشعبية قصة فتيات شاركن في إمداد جيش المسلمين بالماء والمؤن أثناء حصار الرومان، واستُشهدن دفاعاً عن إيمانهن. أصبحت مقابر الرخام الخاصة بهن مزاراً يقصده الناس، وتحول المكان إلى رمز للتضحية النسائية التي تجاهلها الكثير من المؤرخين ولكن خلدها الوجدان الشعبي.
 المحور الرابع: الأسرار المدفونة والألسنة الذهبية
تحت رمال البهنسا تكمن مدينة "أوكسيرنخوس" اليونانية، التي كانت مركزاً عالمياً لإنتاج البرديات. وفي الاكتشافات الحديثة، أذهلت البهنسا العالم بـ "الألسنة الذهبية"؛ حيث عُثر على مومياوات وُضعت في أفواهها ألسنة من ذهب، لتمكين الموتى من "التحدث" في العالم الآخر بحسب المعتقدات القديمة، مما يثبت أن البهنسا بئر لا تنضب من أسرار الفراعنة والرومان.
 الخاتمة: البهنسا.. رسالة إلى المستقبل
إن زيارة البهنسا ليست مجرد نزهة، بل هي مواجهة مع التاريخ في أنقى صوره. هي الأرض التي جمعت بين رفات الصحابة، وخطوات الأنبياء، وأساطير التضحية. إن الحفاظ على هذا الإرث وتوثيقه هو واجب وطني وأكاديمي، لتبقى البهنسا دائماً "منارة الروح" و"كنز التاريخ" الذي لا يغيب