سأعود يومًا إلى شاطئ النيل: سرديات نازحٍ من الخرطوم
أود أن أكون تلك الفتاة التي تركض خلف أحلامها بالشغف ذاته الذي كانت تحمله قبل النزوح، حين كانت تنتظر بزوغ الفجر بلهفة، تتأنق وتغادر إلى عملها
في ساعات الصباح الأولى تركب العربة وتجلس قرب الشباك، تتأمل تفاصيل مدينتها، تحفظ وجوه المارة، وتنسج أحلامها على إيقاع الحياة اليومية
لكن مدينتي لم تعد تلك المدينة التي عرفتها يوماً. مرّت عليها يد الخراب، وتبدلت ملامحها تحت وطأة الحرب
ومع ذلك، ما زالت في مخيلتي أجمل مدينة سكنت الذاكرة، وما زلت أهمس لها: انهضي من أجل كل من أحبك، ومن أجل كل من حملك في قلبه أينما ارتحل
سأعود يوماً إلى شاطئ النيل
سأعود وأنا أحمل جرحاً قديماً، وصوت المنزل الذي تركناه خلفنا، ورائحة الأرض التي التصقت بالروح الخرطوم ليست مكاناً فحسب؛ إنها جزء من الهوية، وذاكرة ممتدة في تفاصيل العمر
في الليالي البعيدة أحلم بأنني أمشي في شارع لم تمسّه الحرب، أرى الوجوه التي أعرفها، وأسمع الأصوات التي رافقت طفولتي
لكن الصباح يوقظني على واقع مختلف؛ مدينة أنهكتها الفواجع، وأناس يحملون أثقال الفقد والحنين
أكتب لأن الكتابة هي ما تبقى لنا حين تضيق المسافات بين الإنسان وذكرياته أكتب عن حقنا في العودة، وعن حلمنا بوطن يستعيد عافيته، وعن مستقبل نحاول أن نبنيه رغم كل ما تهدّم
على ضفاف النيل أرسم أحلاماً بسيطة: بيتاً آمناً، وأطفالاً يضحكون بلا خوف، وشوارع تستعيد نبضها، ووطناً يشفى من نزيفه الطويل
لكن العودة بعد سنوات الغياب ليست سهلة. إنها تشبه عودة مقاتل أنهكته المعارك، فعاد يبحث عن السلام لا عن الانتصارات وحين أقف أمام النيل سأجد نفسي أتساءل: كيف أبدأ الحكاية؟ وعن أي جزء من الوجع أكتب؟
هل أكتب عن البيوت التي فقدناها؟ أم عن الأحلام التي توقفت في منتصف الطريق؟ هل أكتب عن الإنسان الذي تغيرته الحرب، أم عن الوطن الذي ما زال ينزف بصمت؟
لدي الكثير من القصص لأرويها؛ قصص الرحيل والخوف والانتظار، وقصص الناس الذين حملوا أوطانهم في حقائبهم الصغيرة ومضوا. ولدي الكثير من الأسئلة
التي ما زالت معلقة في فضاء أرواحنا: كيف ستنهض الأحلام من تحت الركام؟ وكيف ستعود الطمأنينة إلى القلوب التي عاشت كل هذا الألم؟
ورغم كل شيء، يبقى الأمل حاضراً
فالنيل ما زال يجري، والذاكرة ما زالت تحفظ أجمل ما كان، والوطن مهما اشتدت جراحه قادر على أن يستعيد عافيته يوماً ما
لهذا أقولها بإيمان لا يتزعزع
سأعود يوماً إلى شاطئ النيل، لا لأبحث عن الماضي، بل لأشارك في صناعة الغد سأعود لأزرع أملاً جديداً في أرضٍ عرفت الألم طويلاً، ولأشهد مع أبناء وطني ميلاد أيام أكثر أمناً وسلاماً وعدلاً
وحينها فقط، ستجد الخرطوم طريقها من جديد إلى الحياة
لكن ي مدينتي هل تشاهدي حزن الفراق في عيني
هل يراودك الشعور بالحسرة لفقداني كل تلك السنين.... هل تشعرين بأحلامي التي تسربلت من خلال أصابعي التي لم تزل ترصد شوقها لك وللقائك؟!