هما المصريين ليه بيحبوا بلدهم أوي كده؟

هما المصريين ليه بيحبوا بلدهم أوي كده؟

هما المصريين ليه بيحبوا بلدهم أوي كده

كتب د. عبدالعاطي المناعي

سؤال يبدو بسيطًا، لكن إجابته تسكن في القلب أكثر مما تسكن في السطور لأن مصر عندنا
ليست مجرد حدود على خريطة، ولا اسمًا في جواز سفرنا ولا مكانًا وُلدنا فيه ؛ مصر عندنا حكاية عمر، ودفء بيت، ورائحة أم، وصوت أب، ونيل يجري في الروح قبل أن يجري بين الضفتين
المصري قد يبتعد عن مصر آلاف الأميال، لكنه لا يغادرها حقًا يحملها معه في لهجته، وفي ضحكته، وفي طريقته في الحنين، وفي أغنية يسمعها فجأة فتردّه في لحظة إلى شارع قديم، أو بيت العائلة، أو مساء على ضفاف النيل
نحب مصر لأنها تشبه الأم؛ قد نشكو إليها، وقد نختلف معها، وقد نتعب في حضنها، لكننا لا نستطيع أن نتخيل أنفسنا من دونها
نحبها لأن ترابها ليس ترابًا عاديًا؛
لكنه تراب اغلي لدينا من الذهب فهو الذي مرّت فوقه حضارات، وسارت عليه جيوش، وصلّى عليه أجدادنا، ورُويت أرضه بعرق الفلاح ودماء الشهيد
وحين نتحدث عن مصر، لا يمكن أن نتحدث عن حبها دون أن نقف طويلًا أمام جيشها العظيم
فالجيش المصري في وجدان المصريين ليس مجرد مؤسسة تحمل السلاح؛ لكنه سياج الوطن، ودرعه، وعمود بقائه هو ابن الفلاح والعامل والطبيب والمهندس والمعلم، يخرج من كل بيت مصري تقريبًا، ويحمل على كتفه أمانة وطن عمره آلاف السنين
في اللحظات التي يخاف فيها الناس، يكون الجندي المصري واقفًا في موقعه
في الصحراء، على الحدود، في البحر، وفي السماء، هناك رجال لا يعرف معظمنا أسماءهم، لكنهم يعرفون جيدًا اسم الوطن الذي يقفون من أجله
يتركون بيوتهم وأطفالهم ودفء أسرهم، بينما ينام الملايين آمنين، لأن عيونًا لا تنام تحرس حدود مصر
ذلك الجيش الذي عبر في أكتوبر، واستعاد للأمة كرامتها، لم يكن يحمل السلاح فقط؛ كان يحمل في قلبه تاريخ شعب كامل يرفض الانكسار ولن ينكسر ومنذ ذلك اليوم ظل السادس من أكتوبر شاهدًا على أن المصري حين يدافع عن أرضه يستطيع أن يصنع ما يراه الآخرون مستحيلًا
أمهات الجنود هن أمهاتنا، وبيوتهم هي بيوتنا، وأحلامهم هي أحلام شبابنا
وحين يسقط شهيد على حدود الوطن، لا يبكيه بيت واحد، بل تشعر مصر كلها أن ابنًا من أبنائها عاد ملفوفًا بعلمها
هناك لحظات لا تحتاج إلى خطب طويلة؛ يكفي أن ترى أم شهيد تقبّل علم مصر لتفهم لماذا يحب المصريون وطنهم بهذه القوة
إنه حب صنعته التضحيات ودماء أجدادنا الذين بنوا مصر بالعرق والدم
حب يعرف أن وراء كل صباح هادئ جنودًا يقفون بعيدًا
وأن وراء كل علم مرفوع رجالًا دفعوا أثمانًا حتى يظل مرفوعًا
ومصر نفسها تعرف كيف تجعل أبناءها متعلقين بها
فيها شيء يصعب تفسيره
شيء في النيل حين يعبر القاهرة ليلًا، وفي شمس الأقصر حين تلامس المعابد، وفي رائحة البحر في الإسكندرية، وفي نخيل الصعيد، وفي سيناء وهي تحتضن شروق الشمس، وفي صوت المؤذن الممتزج بأجراس الكنائس، وفي ضحكة المصري البسيط الذي يستطيع أن يصنع من أصعب الأيام نكتة ثم يكمل الطريق
قد يختلف المصريون في أشياء كثيرة
قد يختلفون في الكرة والسياسة والفن وطريقة الحياة، لكن عندما يتعلق الأمر بمصر، يظهر ذلك الخيط العميق الذي يجمع الجميع
فمصر أكبر من اختلافاتنا
وأبقى من أزماتنا
وأعمق من اللحظة العابرة
وحين يخرج علم مصر، تتراجع أشياء كثيرة إلى الخلف
وحين نسمع السلام الوطني، تتحرك داخلنا ذاكرة أكبر من أعمارنا هي ذاكرة التاريخ الذي وجدت مصر قبله
وحين نرى جنديًا مصريًا واقفًا على الحدود، ندرك أن الوطن ليس قصيدة جميلة فقط؛ الوطن مسؤولية، وحراسة، وتضحية، ودم
ولهذا يحب المصريون أيضا جيشهم
لأنه حين تصبح الأوطان في خطر، لا تحميها الكلمات وحدها، وإنما يحميها رجال أقسموا أن تبقى الأرض لأهلها، وأن يظل العلم عاليًا مهما كان الثمن
الجيش المصري ليس مجرد حارس لحدود مصر، بل هو جزء من ذاكرة قوتها وكرامتها الوطنية، وشاهد على أن لهذا الوطن رجالًا يعرفون قيمة كل حبة رمل فيه
فلماذا يحب المصريون مصر إلى هذا الحد؟
لأنها ليست بلدًا نعيش فيها فقط
هي أمٌّ نخاف عليها، وبيتٌ نعود إليه، ونيلٌ يجري في ذاكرتنا، وجيشٌ يحرس أبوابها، وشهداء تركوا لنا وصيةً واحدة: أن تبقى مصر
قد نسافر عنها، لكننا نحملها معنا
قد نغضب منها، لكننا لا نقبل عليها سوءًا
وقد تتعبنا الحياة فوق أرضها، لكن كلمة واحدة عنها تجعل القلب ينتفض دفاعًا عنها
بعض البلدان تكون عنوانًا في بطاقة الهوية…
أما مصر، فهي هوية تسكن القلب
وستظل مصر، مهما تعاقبت الأيام، أرضًا تعرف أبناءها ويعرفونها، ويحرسها جيش من أبنائها، وتبقى رايتها عالية
تحيا مصر… ويحيا جيشها العظيم، وتبقى أرضها مصونة بعزم أبنائها ودماء شهدائها