حين يسقط المستحيل أمام الإرادة

حين يسقط المستحيل أمام الإرادة

حين يسقط المستحيل أمام الإرادة

المستحيل كلمة صاغها العقل البشري ليمنح بها نفسه أحيانًا رخصة مؤقتة للتوقف عن المحاولة إنه ذلك الحد الفاصل الذي نضعه بين ما نعرفه وما نجهله أو بين ما نستطيع تحقيقه اليوم وما لم نكتشف بعدُ الطريق إليه لكن التاريخ بما يحمله من إنجازات وتحولات علمية وفكرية يثبت يومًا بعد يوم أن «المستحيل» ليس دائمًا حقيقة مطلقة بل قد يكون حالة ذهنية مؤقتة تسقط أمام الإصرار والإرادة والمعرفة والتجربة
إذا ألقينا نظرة على التاريخ البشري سنجد أن كثيرًا من أعظم إنجازات الإنسانية بدأ بفكرة بدت لأهل زمانها أقرب إلى الخيال كان طيران الإنسان في السماء حلمًا يتجاوز حدود الممكن فأصبح اليوم وسيلة نقل يستخدمها الملايين يوميًا وكان الحديث مع إنسان في قارة أخرى في اللحظة نفسها أمرًا لا يكاد يتصوره العقل فأصبح الهاتف ثم الإنترنت يجعل العالم كله حاضرًا في شاشة صغيرة بين أيدينا أما الوصول إلى القمر، فقد كان يومًا حكاية من حكايات الخيال قبل أن تطأ قدم الإنسان سطحه ويصبح غزو الفضاء مجالًا للعلم والاستثمار والبحث
والطب يقدم لنا بعضًا من أروع الأمثلة على انهيار جدران المستحيل
فقد كانت الإصابة ببعض أنواع العدوى البكتيرية قد تعني الموت في عصور سابقة ثم جاء اكتشاف المضادات الحيوية ليغير مسار الطب وينقذ أرواح الملايين وكان مرض السكري من النوع الأول قبل اكتشاف الإنسولين تشخيصًا بالغ الخطورة ثم أصبح بالإمكان السيطرة عليه وإنقاذ حياة الملايين
وزراعة الأعضاء نفسها كانت تبدو يومًا فكرة أكثر من مستحيلة
كيف يمكن أن يعيش إنسان بقلب أو كبد أو كلية من إنسان آخر؟ ومع تطور الجراحة والمناعة والأدوية أصبحت زراعة الكلى والكبد والقلب واقعًا طبيًا يمارس في مراكز متخصصة حول العالم وفي تطور مستمر
حتى القلب الذي كان الاقتراب منه جراحيًا يُعد مخاطرة هائلة أصبح اليوم مجالًا لجراحات دقيقة وقساطر علاجية وصمامات تُزرع بتقنيات متطورة وأجهزة تساعده على الاستمرار في العمل
كما كان العقم بالنسبة إلى كثير من الأزواج يعني في أزمنة سابقة نهاية الأمل في الإنجاب ثم جاءت تقنيات الإخصاب المساعد وأطفال الأنابيب والحقن المجهري لتفتح أبوابًا لم يكن الإنسان يتخيل وجودها
وأمراض أخرى طالما أرعبت البشرية تغيّر مصيرها مع اللقاحات والعلاجات الحديثة والتقدم في التشخيص بل إن البشرية نجحت في استئصال الجدري عالميًا، وهو مرض ظل قرونًا يحصد الأرواح ويترك آثاره القاسية على الناجين
وفي عالم الاختراعات لم يكن الأمر مختلفًا من كان يتصور قبل قرون أن آلة ضخمة من المعدن تحمل مئات البشر وتطير بهم فوق المحيطات؟ أو أن مركبة يقودها الإنسان ستغادر الأرض إلى الفضاء؟ أو أن جهازًا صغيرًا في الجيب سيجمع الهاتف والكاميرا والمكتبة والخريطة والبنك والصحيفة وملايين الكتب في مكان واحد؟
ومن كان يتخيل أن الآلات ستستطيع تحليل كميات هائلة من المعلومات والتعرف إلى الصور والأصوات والمساعدة في التشخيص والبحث العلمي والترجمة وصناعة المحتوى؟ إن الذكاء الاصطناعي نفسه مثال معاصر على أفكار كانت قبل عقود قليلة مادة للخيال العلمي ثم أصبحت جزءًا من الحياة اليومية
إن الإيمان بالمستحيل بمعناه السلبي يكرس العجز والجمود ويجعل الإنسان أسيرًا لواقعه وظروفه بينما إعادة تعريفه تجعله مجرد «هدف لم تُكتشف أدوات تحقيقه بعد» والنصيحة حاول ثم حاول ثم حاول
إن العائق الحقيقي لا يكمن دائمًا في قسوة الواقع أو قلة الإمكانيات بل قد يكمن في سقف التوقعات وقناعات الإنسان الداخلية فعندما يقتنع المرء مسبقًا بأن أمرًا ما غير ممكن قد ينغلق عقله عن البحث عن الحلول، ويركن إلى الرضا المريح بما هو قائم وهذا هو الفشل الحقيقي
ومع ذلك، فإن رفض فكرة المستحيل لا يعني التخلي عن العلم أو المنطق ولا يعني الاعتقاد بأن الإرادة وحدها تكفي لتحقيق أي شيء فهناك قوانين للطبيعة وحدود واقعية وإمكانات لا بد من احترامها لكن الفرق الكبير أن الإنسان لا ينبغي أن يجعل حدود معرفته الحالية حدودًا نهائية لما يمكن أن يعرفه أو يحققه مستقبلًا إذا هو أراد ذلك وسعي الي تحقيقه
فكل اكتشاف عظيم تقريبًا بدأ بسؤال وكل اختراع بدأ بمشكلة ومحاولات فاشلة ثم نجاح واقعي ملموس
إن كل تقدم حقيقي بدأ بإنسان لم يكتفِ بالإجابة المعتادة وإنما امتلك الشجاعة ليسأل:
ولِمَ لا؟
الاستشفاء من الانكسارات وتجاوز العثرات والبدء من جديد وتحويل الأفكار إلى مشروعات وبناء الإنجازات من قلب الصعوبات كلها شواهد يومية تؤكد أن كثيرًا من الحدود التي نخافها لا توجد في العالم الخارجي بقدر ما توجد داخل عقولنا وقناعتنا بها
وما بين أول محاولة للطيران والوصول إلى الفضاء وما بين العجز أمام كثير من الأمراض وزراعة الأعضاء والجراحات الدقيقة يخبرنا التاريخ برسالة واحدة:
ما نراه مستحيلًا اليوم قد يكون واقعًا عاديًا لأجيال الغد
لذلك فإن المستحيل في كثير من الأحيان، ليس نهاية الطريق بل اسم نطلقه على الطريق الذي لم نعرف بعد كيف نسلكه
فالمستحيل ليس دائمًا حقيقة واقعة… بل قد يكون مجرد وجهة نظر تنتهي حيث تبدأ الإرادة ويبدأ العلم ويستمر العمل
مرحبا بكم في نادى الرافضين للمستحيل