احتراق الذات

احتراق الذات


احتراق الذات
بقلم د. عبدالعاطي المناعي
هناك احتراق لا تصعد منه ألسنة اللهب، ولا تفضحه رائحة الدخان؛ يحدث في داخل الإنسان، ببطء يجعل صاحبه يعتاد خسائره الصغيرة، حتى يستيقظ يوما فلا يجد في نفسه الرغبة التي كانت تدفعه إلى الحياة. يواصل أعماله، ويجيب عن الأسئلة، ويبتسم في الصور، لكن شيئا في داخله أصبح يؤدي واجباته دون أن يشارك فيها.
يبدأ احتراق الذات أحيانا بكلمة تبدو نبيلة: «سأتحمل». يتحمل الإنسان مسؤولية إضافية، ويسكت عن إساءة، ويؤجل راحته، ويمنح غيره وقتا كان يحتاج إليه. ثم تتكرر الكلمة حتى تصبح طريقة للحياة. وكلما نجح في إخفاء تعبه، اطمأن الآخرون إلى قدرته على احتمال المزيد، وربما صدق هو أيضا أنه لا يتعب.
وقد يشارك الإنسان في استنزاف نفسه حين يربط قيمته بما يقدمه للآخرين. يشعر بالذنب إذا استراح، وبالتقصير إذا اعتذر، وبالخوف إذا قال: «لا أستطيع». يصبح رضا الناس امتحانا يوميا، يحاول النجاح فيه على حساب هدوئه ووقته وصحته. والمشكلة أن هذا الامتحان لا ينتهي؛ فما يقدمه اليوم بإرادته قد يتحول غدا إلى واجب ينتظره الجميع.
وفي الطموح باب آخر للاحتراق. يظل المرء يلاحق إنجازا بعد إنجاز، دون أن يمنح نفسه فرصة الشعور بما حققه. كل قمة يصل إليها تكشف له قمة أعلى، وكل نجاح يتبعه سؤال قاس: وماذا بعد؟ حتى تتحول الحياة إلى سباق طويل، لا يعرف فيه لماذا يجري، ولا متى يحق له التوقف لالتقاط أنفاسه.
أما العلاقات التي تستنزف أصحابها، فإنها تستهلك الروح في تفاصيل متكررة: تبرير دائم، وانتظار للاهتمام، ومحاولات متواصلة لإثبات حسن النية. يمضي الإنسان وقتا طويلا في إصلاح ما ينكسر، ثم يكتشف أنه وحده من يحمل أدوات الإصلاح. ومع ذلك يستمر، لأن الاعتراف بأن العلاقة تؤذيه قد يكون أشد ألما عليه من احتمال أذاها.
ويزداد هذا الاستنزاف حين يصبح الصمت عادة. يقول: «أنا بخير» كي لا يثقل على أحد، ويؤجل الكلام حتى تهدأ الظروف، ويبتلع غضبه حفاظا على الود. لكن المشاعر المؤجلة تظل حاضرة في يومه؛ تظهر في ضيقه من أمور صغيرة، وفي ابتعاده عن أشياء كان يحبها، وفي عجزه عن شرح سبب تعبه.
تبدأ استعادة الذات من لحظة صدق: أن يعترف الإنسان بحدوده دون خجل، وأن يسأل نفسه عما يستطيع مواصلته، وعما يحتاج إلى تغييره. قد يحتاج إلى توزيع المسؤوليات، أو إنهاء التزام يفوق طاقته، أو طلب مساعدة، أو حديث واضح طال تأجيله. وقد يحتاج ببساطة إلى وقت لا يطالبه فيه أحد بشيء.
ومن حق الإنسان أن يراجع الصورة التي صنعها عن نفسه؛ صورة القوي المتاح دائما، الذي ينقذ الجميع ولا يحتاج إلى أحد. فهذه الصورة، مهما نالت من إعجاب، قد تصبح سجنا يحرسه صاحبها بنفسه.
لن نتوقف عن العطاء، ولن نتخلى عن أحلامنا، لكننا نستطيع أن نمنح أنفسنا مكانا داخل الحياة التي نبنيها. مكانا للراحة، وللفرح، وللخطأ، وللبدايات الجديدة. فما قيمة أن نصل إلى كل ما أردناه، وقد فقدنا في الطريق قدرتنا على الاستمتاع به؟