تيتانيك العصر... غرق علي مهل
بقلم: د. عبدالعاطي المناعي
لم تغرق سفينة تيتانيك في اللحظة التي اصطدمت فيها بالجبل الجليدي، بل غرقت على مراحل. بدأ الأمر بخدشٍ في جسد السفينة ثم تسلّل الماء إلى حجراتها ببطء، بينما ظل كثير من الركاب يأكلون ويشربون ويستمعون إلى الموسيقى، غير مدركين أن الرحلة قد انتهت وأن السفينة التي قيل عنها إنها لا تغرق كانت تهبط تدريجيًا نحو القاع
وربما يشبه عالمنا المعاصر تيتانيك أكثر مما نتصور
نحن أيضًا نعيش فوق سفينة ضخمة مزدحمة بالأضواء والشاشات والاحتفالات والأخبار المتلاحقة نرقص على سطحها نتجادل حول المقاعد، ونتنافس على الغرف الأكثر فخامة، بينما يتسرّب الماء من الأسفل نرى علامات الخطر لكننا نتعامل معها بوصفها أحداثًا عابرة، ونواصل الرحلة كأن شيئًا لم يحدث
غرقنا لا يحدث دفعة واحدة، بل بالتدريج.
نغرق حين يصبح الكذب وجهة نظر والفساد مهارة والانتهازية ذكاءً والخيانة مجرد اختلاف في المصالح. نغرق حين يفقد الإنسان قدرته على الغضب أمام الظلم، ويتحوّل الألم الإنساني إلى خبر سريع نمرّ عليه بأصابعنا قبل أن ننتقل إلى صورة أو إعلان أو مقطع ترفيهي
نغرق حين تتقدّم التكنولوجيا، بينما تتراجع الإنسانية أصبحت أجهزتنا أكثر ذكاءً، لكن علاقاتنا أكثر برودة نعرف ما يحدث في أقصى الأرض، ولا نعرف ما يدور في قلب الجالس إلى جوارنا نملك آلاف وسائل الاتصال، ومع ذلك يزداد شعورنا بالوحدة نحمل العالم كله في هواتفنا، لكننا نفقد أحيانًا قدرتنا على احتضان إنسان واحد
إن أخطر ما في الغرق التدريجي أنه لا يثير الخوف في بدايته. قطرة الماء الأولى لا تبدو كارثة والتنازل الأخلاقي الأول قد يبدو بسيطًا، والصمت الأول أمام الخطأ يمكن تبريره. لكن القيم، مثل السفن، لا تنهار عادةً بضربة واحدة؛ بل تتآكل من الداخل، حتى تأتي اللحظة التي يصبح فيها الإنقاذ بالغ الصعوبة
في تيتانيك، كان بعض الركاب منشغلين بدرجات السفر والطبقات الاجتماعية، وكأن البحر حين يغضب سيسأل كل إنسان عن ثروته أو مكانته وهذا ما نفعله اليوم نتقاتل حول الانتماءات والألقاب والمكاسب الصغيرة، بينما الأزمات الكبرى لا تفرّق بين غني وفقير، ولا بين قوي وضعيف الحروب، والأوبئة، والفقر، والتغيّر المناخي وانهيار منظومات القيم، جبال جليدية تقف في طريق البشرية، لكننا ما زلنا نختلف حول ترتيب المقاعد على سطح السفينة
حتى قوارب النجاة ليست متاحة للجميع. فهناك من يمتلك المال والجنسية والنفوذ فيحجز لنفسه مكانًا آمنًا، وهناك ملايين يواجهون الغرق وحدهم. صار العالم قادرًا على إنتاج ما يكفي البشر، لكنه عاجز عن توزيع ما ينتجه بعدالة ينفق على أدوات الموت أضعاف ما ينفق على إنقاذ الحياة ثم يتساءل لماذا يزداد الخوف والكراهية والعنف
أما الموسيقى التي كانت تُعزف فوق تيتانيك، فلها اليوم صور كثيرة؛ الترفيه المتواصل، والضجيج الإعلامي، والمعارك الوهمية على مواقع التواصل، والأخبار المصنوعة لصرف الأنظار عن الثقوب الحقيقية في جسد السفينة. نحن لا نفتقر إلى المعلومات، بل نفتقر إلى الوعي الذي يميز بين صوت الموسيقى وصوت الماء المتسرّب من تحت الأقدام.
ومع ذلك، ليست النهاية حتمية
ما دام هناك من يجرؤ على النزول إلى الطوابق السفلى ليرى الحقيقة، ومن يرفض إنكار الخطر ومن يصلح ثقبًا بدل أن يلتقط صورة أمامه، فما زالت فرصة النجاة قائمة إنقاذ السفينة يبدأ بالاعتراف بأنها ليست منيعة، وأن التقدّم العلمي وحده لا يحمي الحضارات إذا فقدت ضميرها. نحتاج إلى علم تحكمه الأخلاق، وسياسة يحكمها العدل، واقتصاد يضع الإنسان قبل الأرباح، وإعلام يكشف الحقيقة بدل أن يخدّر الجماهير.
لسنا جميعًا ركابًا أبرياء فوق هذه السفينة؛ بعضنا قبطان، وبعضنا مراقب، وبعضنا شارك في صنع الثقوب، وكثيرون اكتفوا بالصمت ولذلك فإن النجاة مسؤولية مشتركة تبدأ من موقف صغير: أن نقول الحقيقة، ونرفض الظلم، ونحمي الضعيف، ونعيد للإنسان قيمته قبل أن يصبح مجرد رقم في قائمة الضحايا
تيتانيك لم تغرق لأنها اصطدمت بجبل جليدي فقط، بل لأنها وثقت في قوتها أكثر مما احترمت الخطر. وهذا هو الدرس الذي يجب ألا ننساه: قد تكون السفينة ضخمة، والأضواء ساطعة، والموسيقى جميلة، لكن الماء حين يبدأ في الصعود لا تعنيه مظاهر الفخامة
والسؤال الحقيقي ليس: هل نغرق؟
بل: هل سننتبه قبل أن يصل الماء إلى السطح، أم سنواصل الرقص حتى تعزف الموسيقى لحنها الأخير؟