توازن... حين تصبح الكلمة منهجًا للحياة

توازن... حين تصبح الكلمة منهجًا للحياة

كانت كلمة «توازن» قبل عام 2009 تعني لي ما تعنيه في اللغة: الاعتدال بين طرفين، وعدم الميل إلى الإفراط أو التفريط. لكن معناها تغيّر في نفسي بعدما جالست الوالد الحاج سعيد لوتاه، رحمه الله، وتشرفت بالعمل معه ثلاث سنوات؛ فقد نقلها من دائرة الكلمات إلى واقع الحياة، ومن مفهوم نظري إلى منهج يُمارس في أدق التفاصيل.
كان يعلمنا أن التوازن لا يقتصر على العمل والراحة، بل يشمل النوم والمأكل والمشرب والحديث والصمت، وحتى الغضب كان ينبغي أن يكون منضبطًا بميزان العقل والحكمة. وقد بلغ إيمانه بهذه القيمة أن أطلق قناة تلفزيونية سماها «توازن»، تبث برامج صحية وتوعوية وثقافية، وتنطلق من فكرة أن صلاح الإنسان يبدأ حين تستقيم موازينه الداخلية.
والتوازن ليس فكرة بشرية طارئة، بل قيمة راسخة في القرآن الكريم؛ فقد وصف الله الأمة التي تحمل رسالته بقوله: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، فالوسطية هنا ليست موقفًا باهتًا بين المواقف، وإنما عدل وحكمة وقدرة على منح كل جانب من جوانب الحياة حقه دون طغيان.
بل إن الكون كله قائم على ميزان دقيق، يقول تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ۝ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ۝ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾. فالميزان قانون كوني وأخلاقي؛ وإذا اختل ميزان الإنسان في صحته أو مشاعره أو عمله أو علاقاته، انعكس ذلك اضطرابًا في حياته كلها.
وفي الطعام والشراب، يضع القرآن قاعدة صحية جامعة في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. فلا حرمان يرهق الجسد، ولا إسراف يفسد الصحة؛ لأن الجسد أمانة، وحفظه لا يتحقق إلا بالاعتدال. وكذلك النوم؛ فلا سهر يستنزف الإنسان، ولا نوم يبدد العمر، وإنما راحة تعيد للجسد طاقته وتعينه على أداء رسالته.
ويمتد التوازن إلى المال، فلا بخل يحرم الإنسان وأهله، ولا تبذير يهدر النعم، يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾. ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾. فالحكمة ليست في كثرة الإنفاق أو قلته، وإنما في وضع المال حيث يؤدي دوره دون إسراف أو تقصير.
حتى المشاعر تحتاج إلى توازن؛ فالحب إذا تجاوز حدّه تحول إلى تعلق مؤذٍ، والغضب إذا انفلت صار ظلمًا، والحزن إذا استسلمنا له أطفأ فينا الرغبة في الحياة. أما التوازن فلا يعني قتل المشاعر، بل إدارتها بحيث تظل قوة تبني الإنسان، لا نارًا تحرقه وتحرق من حوله.
والتوازن الحقيقي يجمع بين الدنيا والآخرة، والطموح والرضا، والعمل والأسرة، والحقوق والواجبات. وقد لخّص القرآن هذا المنهج بقوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾.
لقد تعلمت من الوالد الحاج سعيد لوتاه أن التوازن ليس نصف موقف، ولا هروبًا من الحسم، بل قوة داخلية تمنح الإنسان القدرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب. وهو ليس محطة نصل إليها مرة واحدة، وإنما مراجعة يومية نسأل فيها أنفسنا: هل أعطينا أجسادنا حقها؟ وهل حافظنا على أرواحنا؟ وهل وازنّا بين سعينا ورِضانا، وبين نجاحنا وسلامنا الداخلي؟
إن أجمل حياة ليست التي نمتلك فيها كل شيء، بل التي نضع فيها كل شيء في موضعه الصحيح. وعندها فقط يصبح التوازن أكثر من كلمة؛ يصبح حكمة، وطمأنينة، ومنهجًا للحياة.